الصالحي الشامي
313
سبل الهدى والرشاد
رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اللهم من ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفه ، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله من صرفا ولا عدلا ( 1 ) ، ورواه الطبراني بإسناد حسن . وفي المدارك للقاضي قال محمد بن مسلمة : سمعت مالكا يقول : دخلت على المهدي فقال : أوصني ، فقلت : أوصيك بتقوى الله وحده والعطف على أهل بلد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجيرانه ، فإنه بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " المدينة مهاجري ومنها مبعثي وبها قبري وأهلها جيراني ، وحقيق على أمتي حفظ جيراني ، فمن حفظهم في كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة ، ومن لم يحفظ وصيتي في جيراني سقاه الله من طينة الخبال " . وقال مصعب : " لما قدم المهدي المدينة استقبله مالك وغيره من أشرافها على أميال ، فلما بصر بمالك انحرف المهدي إليه فعانقه وسلم عليه وسايره فالتفقت إليه مالك فقال : يا أمير المؤمنين إنك تدخل الآن المدينة ، فتمر بقوم عن يمينك ويسارك ، وهم أولاد المهاجرين والأنصار ، فسلم عليهم ، فإن ما على وجه الأرض قوم خير من أهل المدينة ، ولا خير من المدينة قال : ومن أين قلت ذلك يا أبا عبد الله ؟ فقال : لأنه لا يعرف قبر نبي اليوم على وجه الأرض غير قبر محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن كان قبر محمد صلى الله عليه وسلم عندهم فينبغي أن يعرف فضلهم على غيرهم . ففعل المهدي ما أمره به ، وفيه إشارة إلى التفضيل بمجاورة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما زال جبريل يوصي بالجار حتى ظننت أنه سسورثه " ، ولم يخص جارا دون جار . ومن تأمل هذا الفضل لم يرتب في تفضيل سكنى المدينة على مكة ، مع التسليم بمزيد المضاعفة لمكة ، ( إذ جهة الفضل غير منحصرة في ذلك ) فتلك لها مزيد العدد ، وهذه تضاعف البركة والمدد ولتلك جوار بيت الله ، ولهذه جوار حبيب الله وأكرم الخلق على الله . تنبيهات الأول : قوله صلى الله عليه وسلم : " لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه " . قال القاضي : اختلفوا فيه فقيل : هو مختص بمدة حياته صلى الله عليه وسلم ، وقال آخرون : هو عام أبدا ، وهذا أصح . وقال المحب الطبري : إنه الأظهر لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر : " سيأتي على الناس زمان يفتح فيه فتحات الأرض فيخرج الناس إلى الأرياف يلتمسون الرخاء " . . . إلى آخر ما تقدم . الثاني : قوله صلى الله عليه وسلم في حديث : " ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار . . . " إلى آخر الحديث ، قال القاضي عياض : قوله : " في النار " يدفع إشكال الأحاديث التي
--> ( 1 ) ذكره الهيثمي في المجمع 3 / 209 وعزاه للطبراني في الأوسط والكبير وقال : ورجاله رجال الصحيح .